ابن عربي

244

مجموعه رسائل ابن عربي

عبد اللّه بن صابر بن عبد المانع قال : أيوب مدحه اللّه بالصبر ، وشهد له به وحده ، صابرا . مع قوله لربه : مَسَّنِيَ الضُّرُّ فعلمنا من ذلك ، أن حد الصبر : ألا يشكو المبتلي إلى غير اللّه ، فيقدح في صبره ، وعلمنا أن اللّه لا يريد شرعا من عباده إذا ابتلاهم ، أنهم لا يلجأون في رفع ما نزل بهم إلّا إلى اللّه عز وجلّ ، فإن الوقوف مع العبودية والفقر أولى بالعبد من مقاومة القهر الإلهي . جاع بعض رجال اللّه فبكى ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنما جوعني لأبكي . وقال : الصبر للعارف باللّه [ عن ] البلاء سوء أدب مع اللّه ، وإن قاومته به فهو أتمّ الصبر ، فاجهد ألا تكون محلا لسوء أدب . إذ الأدباء هم الذين عصمهم اللّه من جريان ألسنة الذنوب عليهم ، فكيف أن يكونوا محلا لوقوع الذنوب منهم . وقال : عطاؤه في منعه ، فما منع سبحانه أحدا من وجه ، إلّا أعطاه « 1 » في ذلك المنع من وجه آخر . لأنه مجبول على الحاجة وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ . وقال : الممكن محتاج بالذات . ألا تراه يفتقر إلى المرجح ؟ . وقال : الرشد الهدى إلى الصواب فيما تحاوله ، وكل رشيد فهو مهدي يدعو إلى هدي ، وهو الذي يدعو إلى اللّه على بصيرة ، كما أخبر اللّه ، وأمر بقول ذلك ، والإخبار عنه . وقال : قال موسى للخضر ( عليهما السلام ) : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً . فقال خضر : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وكذلك وقع . فإن الغيرة تغلب على الرسل في اللّه إذا رأوا انتهاك حرمة الحق ، ويغيبون عن كل ما سوى اللّه ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فعلوم الأذواق يقل العثور عليها ، والتصديق بها لعزتها وعلو مكانتها ، وهي علوم الأنبياء ( عليهم السلام ) ، ومن اعتنى اللّه به من الأولياء . وقال : ثم طائفة إذا رأوا سبيل الرشد اتخذوه سبيلا إلى اللّه تعالى ، ليعرفهم بمصالحهم ما داموا في دار التكليف ، فإذا انقلبوا إلى محل لا تكليف

--> ( 1 ) في الأصل : إلّا عطاء في ذلك .